الاثنين، 30 سبتمبر 2013

المقاصد النورانية في القرآن الكريم

"سورة المائدة"



اليوم السابع عشر :النداء الحادي عشر : محرّمات الشراب 


بعدما تحدثت الآيات عن الطيبات تنتقل إلى الحديث عن الخبائث (بنفس الترتيب الذي بدأت فيه السورة في الآيات (1 - 2).
]يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلاْنصَابُ وَٱلاْزْلاَمُ رِجْسٌ مّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[ (90).
فالسورة بدأت بمحرّمات الطعام فلا بد أن تذكر محرّمات الشراب (فاسمها سورة المائدة) لتحذّر المسلم من الانغماس في ملذات الحياة المحرّمة وليفي بعهده فلا يدخل فمه قطرة خمر لتوقع العداوة والبغضاء في صفوف الأمة.
لاحظ أن الآية تعاملت مع قضية الخمر بشدة فقرنت بينه وبين الأنصاب والأزلام وهي من مخلّفات الشرك بالله وذلك للتشنيع من هذه العادة المهلكة للأمم.
والملاحظة الثانية أن القرءان استعمل كلمة (اجتنبوه) والتي هي أقصى درجات النهي والتحريم.

غداً:  (احذروا الابتلاء في الحلال والحرام) 
المقاصد النورانية في القرآن الكريم

"سورة المائدة"



اليوم السادس عشر : النداء العاشر ( لا َ تُحَرّمُواْ طَيّبَاتِ مَا أَحَلَّ الله لَكُمْ)


]يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُحَرّمُواْ طَيّبَـٰتِ مَا أَحَلَّ ٱلله لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ ٱلله لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ[ (87).
هنا يأتي النداء أن لا يحرّم المؤمنون ما أحلّ الله لهم من الطيبات، فالتحريم والتحليل حق الله وحده، والله عندما حرّم، لم يحرّم علينا إلا الخبائث الضارة، وأحلّ لنا الطيبات المفيدة بالمقابل، فجاءت الآية التي تليها ]وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱلله حَلَـٰلاً طَيّباً وَٱتَّقُواْ ٱلله ٱلَّذِى أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ[ (88) لتؤكد على هذا المعنى.
والرابط بين هذا النداء والنداء الثاني ]لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ ٱلله[ هو أن تحريم الحلال معصية لله تعالى وتغيير لشرعه تماماً كتحليل الحرام.
وهكذا نرى أن معالم الحلال والحرام في الإسلام تتضح شيئاً فشيئاً، وكل آية تضيف مفهوماً جديداً لتكمل الأحكام عند المسلمين قبل ختام نزول الآيات

غداً:  محرّمات الشراب 
المقاصد النورانية في القرآن الكريم

"سورة المائدة"



اليوم الخامس عشر : رقة الحب 


ومن لطائف القرءان في النداء الثامن:
]يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱلله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ...[ (54).
إن القرءان استعمل الرقة والحب في التحذير من أخطر ما يمكن أن يقع به المرء وهو الارتداد عن دين الله تعالى.
فالآية لم تقل "من يرتدد منكم عن دينه فسوف نعذّبه وندخله النار".
إن التهديد في هذه الآية كان بالحب لا بالنار. وهذا النداء الرقيق له تأثير مميّز في النفوس بعد الكلام الشديد والأوامر الشديدة التي زخرت بها السورة. 

غداً:  النداء العاشر ( لا َ تُحَرّمُواْ طَيّبَاتِ مَا أَحَلَّ الله لَكُمْ )
المقاصد النورانية في القرآن الكريم

"سورة المائدة"



اليوم الرابععشر: النداء 7و8و9 : لا للتقليد الأعمى


وتصل بنا السورة إلى ربع جديد، وثلاثة نداءات تهدف إلى أن يكون لهذه الأمة هويتها المميزة.
(يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ أَوْلِيَاء
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ ٱلله لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ[ (51).
]يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱلله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ[ (54).
]يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَاء...[ (57).


إن هذه الآيات لا تهدف إلى تحقير وتسفيه الأديان الأخرى، إنما تهدف للحفاظ على هوية المسلم. فهي دعوة إلى تحقيق الإنتماء الكامل إلى الإسلام. فسورة المائدة لا تمنع من التعامل مع أهل الكتاب بدليل ما سبق من الآيات كالآية (5)
]... وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ[ التي أباحت الزواج من المحصنات من أهل الكتاب.
فالتسامح والرحمة مع أهل الكتاب أمر مطلوب، لكنه لا ينبغي أن يؤدي إلى ضياع هوية المسلم وانتمائه. وهناك فرق بين الاحترام والتعاون الإيجابي والرحمة والتسامح وبين الذوبان في الآخر وضياع الهوية. لذلك نرى أن النداءات 7 و9 ركّزت على عدم موالاة الكفار ومحبتهم بينما النداء 8 حذر من الارتداد عن الدين لأنه من أخطر نتائج ضياع الهوية.
والملاحظ أن الآيات في الربع السابق ركزت على التحذير من الحكم بغير ما أنزل الله:
]وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ٱلله فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ[ (44).
]وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ ٱلله فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ[ (45).
]وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ٱلله فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ[ (47).
]أَفَحُكْمَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱلله حُكْماً لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ[ (50).
وعلاقة هذه الآيات بالنداءات الثلاثة التي بين أيدينا هي أن السبب الأساسي للحكم بغير ما أنزل الله هو التقليد الأعمى للغير.
فيا أيها الشباب أوفوا بالعقود في ترك التقليد الأعمى وأوفوا بالعقود بالإنتماء الكامل لدينكم والاحتكام إلى أوامره ونواهيه.


غداً:  القرءان استعمل الرقة والحب في التحذير من أخطر ما يمكن أن يقع به المرء
المقاصد النورانية في القرآن الكريم

"سورة المائدة"



اليوم الثالثعشر: النداء السادس : الجهاد في سبيل الله تعالى


يقول الله تعالى ]يَـئَأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱلله وَٱبْتَغُواْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ وَجَـٰهِدُواْ فِى سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[.
بعد أن عرضت الآيات السابقة خطر الفساد، أتت الآية (35) لتأمر المؤمنين بالجهاد ومحاربة الفساد.
لاحظ أنه في كل مرة يأتي الأمر بالجهاد في القرءان يذكر سببه (كما في سورة النساء حين ذكر الجهاد لنصرة المستضعفين):]وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱلله وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ...[ (النساء 75)


غداً: كيف يحافظ المسلم على هوية ؟
المقاصد النورانية في القرآن الكريم

"سورة المائدة"



اليوم الثانيعشر: قصة ابني آدم عليه السلام


]وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءادَمَ بِٱلْحَقّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَـٰناً فَتُقُبّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلاْخَرِ...[ (27).
فابن آدم قتل أخاه متهوراً بسبب الغضب والحسد والغل، وأما علاقة قصة ابني آدم عليه السلام بقصة بني إسرائيل ودخولهم الأرض المقدسة هو أنهما نموذجان لنقض العهود: بنو إسرائيل نقضوا عهد الله تعالى لجبنهم، وأما ابن آدم فلقد نقض العهد لتهوّره، فهما نموذجان معاكسان لبعضهما، وكلاهما يؤدي لنقض العهد مع الله تعالى. والإسلام يأمرنا دائماً بالوسطية في كل شؤون الحياة.
ثم تأتي الآية (32) بعد القصة مباشرة للتعقيب عليها ]مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلاْرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَـٰهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً[ (32) لما صوّر لنا القرءان الكريم بشاعة جريمة القتل في قصة آدم عليه السلام، أتت الآيات التي بعدها بأحكام شديدة للقضاء على الفساد، فبيّنت حدود الحرية والسرقة والإفساد في الأرض.
والجدير بالذكر أن العالم لم يعرف إلا في عصرنا هذا موضوع الحق العام في الفقه القانوني، بينما نجد القرءان قد سبق هذه القوانين بـ 1400 عام، فالله تعالى يبيّن بشكل واضح ]أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلاْرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً[(32) فالجريمة ليست اعتداء على فرد، وإنما هي خطر على المجتمع، وهناك حق عام لا بد أن يؤخذ. 


 غداً: النداء السادس
المقاصد النورانية في القرآن الكريم

"سورة المائدة"



اليوم الحاديعشر: قصة موسى عليه السلام مع قومه


وتنتقل بنا الآيات إلى قصة سيدنا موسى عليه السلام مع بني إسرائيل حين طلب منهم أن يدخلوا الأرض المقدسة (أرض فلسطين) التي كتبها الله تعالى لهم ووعدهم فيها ]يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الاْرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ الله لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَـٰسِرِينَ & قَالُوا يَامُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُواْ مِنْهَا...[ (21 - 22).
رفضوا ونقضوا عهد الله تعالى، فكان العقاب الرباني ]قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِى ٱلاْرْضِ[ (26) حرّم الله عليهم دخول الأرض المقدسة أربعين سنة.
وقد أشرنا أن السورة بدأت بقوله تعالى بـ ]يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلاْنْعَامِ...[.
للحثّ على إيفاء العقود حتى لا يضيّق الله دائرة الحلال على الأمة، وهنا في القصة نرى أن الله تعالى ضيّق على بني إسرائيل لنقضهم عهودهم.

فالقاعدة العامة في السورة "إذا أوفى المرء بالعهود فإن الله تعالى يوسّع عليه وإن نقضها فإنه تعالى يضيق عليه".  




 غداً: قصة ابني آدم عليه السلام